ابن تيمية

41

مجموعة الفتاوى

وَلَمْ يَذْكُرْ الْإِنْسَ وَالْجِنَّ عُمُوماً . وَلَمْ تُذْكَرْ الْمَلَائِكَةُ مَعَ أَنَّ الطَّاعَةَ وَالْعِبَادَةَ وَقَعَتْ مِن المَلَائِكَةِ دُونَ كَثِيرٍ مِن الإِنْسِ وَالْجِنِّ . وَأَيْضاً فَإِنَّ سِيَاقَ الْآيَةِ يَقْتَضِي أَنَّ هَذَا ذَمٌّ وَتَوْبِيخٌ لِمَنْ لَمْ يَعْبُدْ اللَّهَ مِنْهُمْ لِأَنَّ اللَّهَ خَلَقَهُ لِشَيْءِ فَلَمْ يَفْعَلْ مَا خُلِقَ لَهُ وَلِهَذَا عَقَّبَهَا بِقَوْلِهِ ؛ { مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ } فَإِثْبَاتُ الْعِبَادَةِ وَنَفْيُ هَذَا يُبَيِّنُ أَنَّهُ خَلَقَهُمْ لِلْعِبَادَةِ وَلَمْ يُرِدْ مِنْهُمْ مَا يُرِيدُهُ السَّادَةُ مِنْ عَبِيدِهِمْ مِن الإِعَانَةِ لَهُمْ بِالرِّزْقِ وَالْإِطْعَامِ ؛ وَلِهَذَا قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ : { فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً } أَيْ نَصِيباً { مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ } أَيْ الْمُتَقَدِّمِينَ مِن الكُفَّارِ . أَيْ نَصِيباً مِن العَذَابِ وَهَذَا وَعِيدٌ لِمَنْ لَمْ يَعْبُدْهُ مِن الإِنْسِ وَالْجِنِّ ؛ فَذَكَرَ هَذَا الْوَعِيدَ عَقِيبَ هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ أَوَّلِهَا إلَى آخِرِهَا يَتَضَمَّنُ وَعِيدَ مَنْ لَمْ يَعْبُدْهُ . وَذَكَرَ عِقَابَهُ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَقَالَ تَعَالَى فِي أَوَّلِهَا : { وَالذَّارِيَاتِ ذَرْواً } - إلَى قَوْلِهِ - { إنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ } { وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ } ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَهُ : { إنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ } { يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ } ثُمَّ ذَكَرَ وَعِيدَ الْآخِرَةِ بِقَوْلِهِ : { قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ } { الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ } { يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ } { يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ } ثُمَّ ذَكَرَ وَعْدَهُ لِلْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ : { إنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ } - إلَى قَوْلِهِ - { وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ } { وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ } { وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ } { فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ } ثُمَّ ذَكَرَ قَصَصَ مَنْ آمَنَ فَنَفَعَهُ إيمَانُهُ وَمَنْ كَفَرَ فَعَذَّبَهُ بِكُفْرِهِ . فَذَكَرَ قِصَّةَ إبْرَاهِيمَ وَلُوطٍ وَقَوْمِهِ وَعَذَابَهُمْ ،